هذه الاسباب التي تجعلك تخسري الراجل النسوانجي وانتي الكسبانة

 رسالة من جدتى

in arabic by

 

عزيزتى جدتى .. دائمًا يخبرنى أبى: عندما أتمرد أننى حملت جزء من جيناتك، لكنى أراكى هادئة ترسمين فى المساء، وتكتبين فى الصباح ليقرأ العالم ما تكتبين ويترجمه للغات كثيرة، أراكى رمزًا للمرأة الجميلة فى الستين من عمرها وأجتاحت العالم فنًا.. فمن أين أتى التمرد الجينى الذى أحمله؟!.. جدتى دعينى أنزع عنك نصف عمرك وأعرف عندما كنتى بعمرى ماذا فعلتى؟.. أشعر باختناق شديد وغضب تجاه الحياة.. أشتاق إليكى كثيرًا ..

صغيرتى.. اشتقت أيضًا لرائحتك، سأروى لكى لماذا يجب أن تحبى الحياة وما هى كلمة السر؟ جين التمرد يمنحك أجنحة، والأجنحة تمنحك القدرة على الطيران؛ بينما البشر حولك على الأرض يحفر حفرة ويتمنى أن ترقدى بها معه.. سأحكى لك وستدركين كم دفعت ثمنًا لتلك الأجنحة!

درست الطب لأن والدى أراد ذلك وكنت من أمهر الجرَّاحات، تعرفت على جدك بالجامعة، أحبنى منذ النظرة الأولى وتزوجنا بعد بخمس سنوات وأنجبت ابنى الأول، كان شيء من المهنية بينى وبين المرضى مفقود، كنت أتعاطف معهم بإنسانية شديدة، ورغم كل سنوات الطب ظلت رائحة الدم كريهة فى أنفى، بينما جدك كان شديد المهنية لا يعرف أسماء المرضى، وكانت نجاحاته ومؤتمراته هى شغله الشاغل، مررت بولادة ابنى الثانى وحدى بينما كان فى مؤتمر طبى فى بلد بعيد، ومرت سنوات يكسوها الروتين من كل اتجاه، حتى استيقظت وكأننى فقدت قدرتى على تنفس ذرة واحدة من أوكسجين هذا العالم، شعرت برغبة جامحة فى البكاء وحدى جلست على أرضية غرفتى الأنيقة، فقدت كل اهتمامى بالحياة.. الطب، الزواج، الأمومة.. لم أعد أعرف لى هوية فى المرآة؛ فقررت الطيران.. ومن هنا بدأت تفعيل جين التمرد، وبدأت رحلة البحث عن ذاتى.

لقد أدمنت الرسم والكتابة فى صغرى، وأردت استكمال دراسة الفن، لكن والدى شعر بخيبة أمل وقرر ألا أضيِّع درجاتى العالية وألحقنى بكلية الطب، شعرت أنه حان الوقت أن أتوقف عن ممارسة الطب وأعود للرسم والكتابة، زعم الجميع أننى أصبت بحالة نفسية، وكل قرارتى غير صائبة وأولهم جدك؛ لم يدرك معنى أن الانسان بلا روح ميت رغم جميع المرضى الذين فقدوا أرواحهم بين يديه.. لم يفهم معنى الروح!

تركت الطب، وراسلت العديد من المجلات الأدبية، وكتبت؛ ومن هنا حصلت على روح ظننتى فقدتها، وبدأت النجاح الحقيقى فى الحياة، وها أنا أكتب وأرسم على أطراف الكرة الأرضية بلغات كثيرة منذ أكثر من ربع قرن.

عندما بدأت فى اشعال روحى من جديد؛ جعلنى الضوء أرى كم أن جدك مظلم، كان حبى لكنه كان لا يجيد الاستثمارالعاطفى، أخذه نجاحه المهنى بعيدًا، وأخذته أنانية الرجال فى استكشاف مزيد من النساء أبعد.. حتى فقدت الثقة من كثرة خيبات الأمل والخيانات.. أحببته كثيرًا لكنه خذلنى أكثر.. حصلت على الطلاق ورغم الألم لم يكسُنى الندم.

بعد سنوات من الإبداع، تعرفت فى أحد معارضى فى باريس على رسام مشهور، ومن أول نظرة شعرت بكهرباء سرت داخلى، كانت المرة الأولى التى أقبل فيها دعوة رجل على العشاء بعد المعرض، منذ سنوات لم أشعر أنى أنثى، كنت فقط أم لطفلين يتنقلان بينى وبين أبيهم حتى قررا الذهاب لاستكمال دراستهما بالخارج، وأكلتنى الوحدة؛ فظللت أرسم وأسافرحول العالم.

على العشاء تيقنت أنه سيكون حبى الثانى.. جريء، فنان، مغامر، خفيف الظل، موهوب.. كان يعرفنى جيدًا؛ قرأ معظم رواياتى.. وكأننى ذهبت إلى باريس بقلب مظلم وأضاءته من أجلى مدينة النور.. بعد عدة لقاءات اعترف لى بحبه وعرض علىّ الزواج.. ترددت كثيرًا، لكنى وحيدة أعيش بين لوحاتى وكتبى وكلبى، كم سيقلب هذا الحب حياتى رأسًا على عقب، ولكن قلبى أراد أن يتزوجه.

ذهبنا إلى باريس حيث لقاءنا الأول وتزوجنا، أدركت لأول مرة كيف يكون الزواج.. أنجبت ولدين ولم أعرف معنى الانتفاض الجسدى بين أحضان رجل، لم أعرف أن أفقد إحساس دوران الكرة الأرضية من حولى عندما القبلة المفاجأة، عشقته حتى الجنون، وسأهمس لكى بالسر الأكبرعن الحب.. ليس الحب فقط اشتهاء جسدى؛ ولكن إحساس بالوقوع فى غرام نفسك من جديد ببهجة مختلفة؛ علَّمنى عن نفسى ما لم أكن أعلم أنه داخلى، علَّمنى أن أقرأ مستقلبى وأرسمه بقوة، علَّمنى التمرد والبكاء ليلا لاشتهاء الحديث معه على الهاتف.. عشت أجمل ثلاثة سنوات من العمربرفقته.

لكنه كان ملك اللامبالاة، تركت كلبى برفقته لثلاثة أيام وعندما عدت وجدت كلبى ميت، كنت أشتاق وسط فوضى ملابسه إلى أناقة دولاب جدك.

كنت برفقته فى السينما بينما رن هاتفه وتلقى خبر وفاة والده؛ لم يبكِ، وعندما طلبت منه أن ننصرف أصَّرعلى إكمال الفيلم للنهاية، ظللت أبكى طوال ساعتين واتخذت قرارى بالرحيل، كانت مشاعره مخيفة؛ جعلنى أحب نفسى برفقته، وعلَّمنى معنى الاشتياق لرائحة رجل حد البكاء، ولكنى لم أحتمل جنونه، وحصلت على الطلاق وسافرت.

سأحكى لكى عن الأمومة لأن أباكِ أخبرنى أنك لا تريدين الإنجاب بعد وفاة جنينك الأول، الإنجاب معجزة النساء على تلك الأرض، نحن نستطيع أن نحكم العالم لأننا نستطيع تحمُّل بكاء طفل، لم أعرف فى حياتى المعنى الحرفى للإرهاق النفسى والجسدى سوى بالإنجاب، يجعلك الطفل تفقدين السيطرة على عالمك ويسلب منك عافيتك ونومك، يجعلك على حافة الجنون اليومى.. تلك كلها أشياء تجعلك تخبرين نفسك ولماذا العناء؟ ولكنك لم تختبرى بعد كلمة “ماما”، وتلك الأصابع الصغيرة التى تشتاق إلى أصابعك، لم تختبرى أن تكونى الأولى فى قلب كائن ملائكى للأبد.. ولم تختبرى ذلك الحب الذى يبدو لى الأصدق على الإطلاق بين البشر.

لقد حكيت لكِ عن حياتى المهنية والتحول من الطب إلى الفن، وحكيت لكِ عن جدك الوسيم الناجح عشقى الأول وحبى الآخرالمجنون، وحكيت لكِ عن الأحاسيس المتضاربة للأمومة.. وسأختم خطابى بحكمتى فى الحياة: يجب أن تجربى كل أنواع الحب وتسلكى كل دروبه.. عندما تقعين فى غرام مهنة، رجل، طفل أو حتى قطة؛ فأنتى تختبرين المعنى الحقيقى لهذه الحياة يا ابنتى.. لا تفعلى شيئًا لا تحبينه فأنتى تقتلين أغلى هدايا الله للإنسان؛ “روحه” مهما كان ما ستفعلينه فى الحياة.. افعليه بحب.. وستحبك الحياة.