مشكلة الطرف الثالث

مشكلة الطرف الثالث

in arabic by

 عندما خلق الله سبحانه الإنسان ذكرًا وأنثى، صمم نموذج الزواج متألفًا من الزوج والزوجة، وأوصاهما أن يتركا كل شئ، ويلتصقان ببعضهما البعض. وصار النموذج الإلهي للزواج صورة واضحة للزوجين. فالزوج مرتبطًا بزوجته التي يحبها ويحترمها، والزوجة ملتصقةً بزوجها الذي تحترمه وتطيعه. ومع مرور الأيام شوَه الإنسان هذه الصورة النموذجية، وأصبح الشكل المرضي للزواج أكثر انتشارًا، وهو وجود ما يسمى ب<<الطرف الثالث>>.

إذًا، من هو الطرف الثالث؟؟!!

عرف د. هنري كلاود و د. جون تاونسند في كتابهما <<الحدود في الزواج>> الطرف الثالث أنه هو أحد المعوقات الأساسية في رسم حدود واضحة للزواج.

ومن خبرتي في المشورة، يُعرَف الطرف الثالث في أي علاقة بشئ من اثنين، فهو الشخص أو الشئ الذي
١. يقف بين الزوجين، ويؤثرعلي العلاقة تأثيرًا سلبيًا أو
٢. يشغل بال أحد الزوجين، ويعيقه عن التركيز في زواجه أوالاهتمام بشريك حياته

هل هذا يعني أن الأبناء طرفًا ثالثًا في الزواج؟؟

الأبناء هم نتاج إتحاد عقلية، وإتجاه حياة الزوجين معًا؛ أي أنهم ثمرة عمل الزوجين، وامتدادًا لرؤية وكيان البيت. لكن الطرف الثالث هو من يشتت هدف الأسرة، ويبني حاجزًا بين الزوجين؛ لذلك الأبناء ليسوا طرفًا ثالثًا.

ولكي نفهم أكثر معنى الطرف الثالث، إليك هذه الأمثلة:

أولًا: المشغولية 

<<لقد كرهت فكرة إنشغاله في عمله طوال الوقت بعيداً عني>>

<< لقد سئمت فكرة اهتمامها بالأبناء أكثر من اهتمامها بتلبية إحتياجاتي>>

عندما يُعقد قران أي زوجين، يكون هدف الطرفين أن يجتمعا معًا في بيتٍ جديد ليكون مملكة سعيدة يملؤها الرضا، ولكن مع مرور السنين تتغير أولويات الزوجين، وتختلف احتياجات هذه المملكة. فهذا طفل يحتاج للرعاية والاهتمام، وآخر يحتاج لمبالغ طائلة للتعليم والاحتياجات، وتلك فتاة يجب أن يدبر أهلها تكاليف زيجتها من يوم ميلادها على حد تعبير الآباء، وغيرها وغيرها من الأمثلة ومتطلبات الحياة، التى ينشغل بها الزوجان دومًا.

 ومن هنا يشرع كلا الزوجين في الاهتمام الكلي بشئون الحياة، التي توفر للأسرة هذه الاحتياجات اللا محدودة، واللا منتهية. فتجد الزوجة تنخرط في تدبير شئون المنزل، والاهتمام بأطفالها، والانغماس في الأنشطة، والتمارين الرياضية والثقافية بشكلٍ مبالغ فيه بحجة أنها تحاول الوصول إلى أفضل التركيبات النفسية والجسدية لأبنائها. وبالتالي رد فعل طبيعي أن ينشغل الزوج بالعمل ليلًا ونهاراً، لكي يلبي كل هذه الاحتياجات. فتكون النتيجة زوجان مشغولان تمامًا عن بعضهما البعض، بقلوب غير سعيدة.

يأتي الحل بكلمة سحرية هي<<أنتو اللي باقيين لبعض>>، أوالتعريف العلمي كما أوضحه علماء النفس وخبراء المشورة هو<<ترتيب الاولويات>>.

عزيزتي الأم الفاضلة: وجود الأبناء، في حد ذاته، له غرض إلهي، وهو أن تقتربي أكثر من زوجك، وليس أن تبتعدي عنه. ومن الجدير بالذكر أن الأولويات ترتب كالتالي – بحسب تصنيف علماء المشورة- الله سبحانه أولًا، يليه شريك الحياة، ثم الأبناء، ويليهم الوالدين، ثم العمل، وبعدها الأصدقاء، أوأي أعمال خيرية، إلخ.
ومن هنا أنصحك عزيزتي الأم أن تشركي زوجك في تربية الأبناء، وشئون المنزل بشكلٍ تدريجي وحكيم، حتى يصبح وجود الزوج ركنًا أساسيًا في حياة ابنائك من ناحية. ومن ناحية أخرى، لا تنشغلي بهم عنه؛ إذ ستكونان معًا في كل شئ، فلن يشكو 🙂

وقد تتساءل بعض الزوجات: كيف أفعل هذا، وزوجي متغيباً طوال اليوم؟؟ 
في الحقيقة، ومن واقع تجربتي في حالات المشورة: الزوج يستطيع إيجاد الوقت المناسب لهواياته، ولأصدقائه، ولعمله، ولأهله .. فما بالكم بأبنائه، لذلك لا تيأسي من المحاولة.

وهنا يأتي دور الزوج الفاضل:  أرجوك عزيزي الزوج .. قبل أن تأخذ الطريق الأسهل لتشتكي من زوجتك، ولتتهمها بانشغالها عنك، فكر مليًا في كيفية مشاركتها معاناتها وأحمالها، واختبر نتيجة ذلك.

إليك، بعض المفاتيح السحرية التي تضمن وصولك لقلب زوجتك:

١. قم معها ببعض الأعمال المنزلية
٢. حاول أن تساعدها في حل أزمة المواصلات، والطرق
٣. استجب لنادائها بوجودك في أوقات الخلاف مع الأبناء
٤. كن عونًا لها، ومؤازرًا لها دومًا، حتى في أوقات تغيبك بمكالمة هاتفية، أورسالة حب، أواحتواء
٥. حاول أن تخصص وقتًا لتجلسان معًا، وتحددان شئون البيت المالية، وكيفية تقنين التكاليف إن أمكن، بشكل يسمح لك بالتواجد في البيت لفترات أطول وهكذا.

ثانيًا: الوالدين

عندما يصبح أحد والدي الزوجين أوكليهما طرفًا ثالثًا في الزواج، تظهر المشكلة. فعندما بدأت مشواري في المشورة الأسرية علي صفحتي الرسمية على Facebook، اتذكر عدة رسائل من زوجات حائرات من كيفية التعامل مع والدة زوجها التي تسيطر تدريجيًا، أومباشرةً على حياتهن بشكلٍ خطير. فاعلم أن دخول الأهل في حياتك وتفاصيلها، سيدفعهم بالتدريج إلى السيطرة وفرض الرأي، مما يثير ضيق شريك حياتك بشكلٍ بالغ.

لذلك من الهام جدًا لكل زوجين أن يعلما النصائح التالية:

١. لا يجب أن تجعل أهلك يتدخلون في شئون حياتكما بشكلٍ مبالغ فيه، فأتذكر زوجة قالت لي: <<زوجي يهينني ويتهمني بعدم الأمانة>>. وبعد عدة جلسات أدركت أن لجوئها لوالدتها بشكلٍ مستمر، جعل أخبار أسرتها مشاعًا لكل العائلة، وأهدر كرامة الزوج عندما بدأت الأم تعنفه على أفعال لا يجب تمامًا أن تتدخل فيها.

٢. لا يجب أن تشكو الزوجة لأبيها بتاتًا من ضيق العيش، أوقلة امكانيات زوجها. كما لا يجب أن يشكو الزوج لوالدته من إهمال زوجته في تدبير المنزل، أوعدم قدرتها على الطهو مثلًا. فاجعلا مبدأ حياتكما هو <<التكيف والتعلم>> وليس الشكوى والتمرد.

٣. اعلم أنه بقدر استقلاليتك عن والديك تضمن سلامة واستقرار أسرتك

ثالثًا: الصديق (الحاضر الغائب)

من أخطر العناصر التي تتدخل في شئون حياتك هي أن تشكو وتحكي شئون بيتك لصديق أوصديقة. فالأصدقاء يتنوعون بين طيب القلب محط الثقة الحقيقي، إلى الصديق الذي قد يستغل نقاط ضعفك، ويستخدمها في الإضرار بك. ولأننا نتعلم على مدار حياتنا يومًا بعد يوم، فاعلم – عزيزي القارئ- أنه من الصعب جدًا أن نميز الناس، مهما اختلفت الظروف، وطال الزمن. ولأن هذا الموضوع أكبر وأعمق من تغطيته في سطورٍ قليلة، سوف أُلقي الضوء على الظاهرتين الأكثر خطورة في هذا السياق

        ١. الصديق من الجنس الآخر

من واقع خبرتي، هو أكثر الظواهر خطورة.. لذا أريد أن أؤكد لك أن مشاركتك لأسرار بيتك مع صديق من الجنس الآخر، لا يأتي من ورائها سوى التعب والمعاناة. بدءً من استبدالك شريك أوشريكة حياتك، ببديل يستمع لك، ويحيطك بالاهتمام، والاحتواء، مرورًا بكشف نقاط ضعف ومشاكل شريك حياتك لشخصٍ غريب غير ملم بكل أطراف القضية، انتهاءً بخلق ميل عاطفي وجنسي في قلبك لهذا القلب الرقيق الذي تجد فيه الملاذ، والملجأ طوال وقت. وغالباً ما يتحول سريعًا هذا الميل إلى مشاعر تشبه الحب، والتي تنمو مثل السرطان الذي يلتهم خلايا أسرتك، ويدمرها.

         ٢. الصديق غير صاف النية

ما أكثر المشاكل والتبعيات التي حدثت في حياة من حولك، بسبب إعطاءهم الأمان لصديق أظهر غير ما يبطن!!! أي كان يضمر مشاعر حقد، أوبغض، أوضغينة تجاهك. وأعتقد أن هذه الآفة في حياة معظم الناس، فهي تأكل بذور الشباب والأسرة السعيدة بينما في باطنها مشاعر كره أوحقد. لذلك – عزيزي القارئ- مهما كبرت مشاكلك، فخطرعليك البوح بها لطرف ثالث أعمق، وأكبر بكثير. فسوف يلتهم حياتك مثل النار في الهشيم.

أعتذر عن الإطالة، وأرجو أن تفكر لحظات في الطرف الثالث الذي تشوه به حياتك، وتفكر مليًا في حقيقة واحدة (اعذرني إن شرحتها من وحي دراستي  🙂 ) “الزواج هو مركب كيميائي يتكون من عنصرين فقط، وأي عنصر ثالث غير الرحمة الإلهية، يعتبر تدميرًا لهذا المركب الرائع في حد ذاته”. لذلك فكر مليون مرة قبل أن تدخل هذا السرطان إلى حياتك، لتنعم بزواج صحي وهادئ.

أدعو الله أن يحفظ كيان كل بيت متماسكًا، ومتحابًا، ومثمرًا

https://www.facebook.com/nancymaher.relationshipscounselor

دكتورة نانسي هي خبيرة العلاقات الاسرية ومشاكل المراهقة، وممارس معتمد دوليًا للبرمجة اللغوية العصبية، ولها خبرة كبيرة في مجال المشورة الزوجية. عملت مدرس مساعد بكلية الصيدلة في الجامعة الألمانية بالقاهرة، كما حصلت على ماجيستير الكيمياء الصيدلية، ودبلومة إدارة الأعمال من الجامعة الألمانية بالقاهرة. أيضًا، هي كاتبة في جريدة الشروق، ولديها كتاب عن المراهقة (تحت النشر). يمكنكم التواصل معها عبر صفحتها https://www.facebook.com/nancymaher.relationshipscounselor/

Latest from arabic

Pin It on Pinterest

Go to Top